( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
في ظل التعقيدات السياسية والعسكرية التي تعيشها البلاد، ومع استمرار الحرب ضد جماعة الحوثي، بات من الضروري التفكير بحلول واقعية ومؤقتة تتناسب مع طبيعة المرحلة الانتقالية، وتراعي خصوصية الواقع في عدن ومحافظات الجنوب والمناطق المحررة. ومن بين الطروحات التي تفرض نفسها اليوم بقوة، مقترح تشكيل حكومة جنوبية مقرها عدن تتولى إدارة الأوضاع في الجنوب، بالتوازي مع إنشاء مجلس عسكري مشترك من الشمال والجنوب مقره مأرب، يتولى إدارة العمليات العسكرية في جبهات القتال مع الحوثي.
عدن اليوم بحاجة إلى إدارة قريبة من المواطن، تدرك حجم التحديات الخدمية والاقتصادية والأمنية، وتتحمل مسؤولياتها بشكل مباشر أمام أبناء الجنوب. فاستمرار حالة التداخل في الصلاحيات، ووجود وزراء يقيمون في مناطق بعيدة عن مسرح مسؤولياتهم الفعلية، أسهم في تعقيد المشهد وزيادة معاناة الناس، دون أن ينعكس ذلك تحسنًا ملموسًا في الخدمات أو الاستقرار.
إن تشكيل حكومة جنوبية لإدارة المرحلة الانتقالية لا يعني بالضرورة إقصاء أحد، بل هو إجراء تنظيمي مؤقت يهدف إلى توحيد القرار الإداري والخدمي في المناطق المحررة، ووضع حد لحالة الارتباك التي أثرت سلبًا على الأداء العام. فإدارة الجنوب من داخل عدن، وبكوادر تتحمل المسؤولية الميدانية، كفيل بإعادة ترتيب الأولويات، ومعالجة الملفات العاجلة في الكهرباء والمياه والمرتبات والأمن.
وفي الجانب العسكري، فإن إنشاء مجلس عسكري مشترك من قيادات شمالية وجنوبية، مقره مأرب، من شأنه أن يركز الجهد العسكري في مواجهة الحوثي، بعيدًا عن التجاذبات السياسية والإدارية. فالمعركة مع الحوثي تتطلب غرفة عمليات موحدة، واستراتيجية واضحة، وتنسيقًا عالي المستوى بين مختلف الجبهات، بدلًا من تشتت القرار وتضارب الصلاحيات.
إن من غير المنطقي أن تستمر بعض القيادات السياسية في إدارة شؤون عدن والجنوب، بينما لا تزال مناطقها تحت سيطرة الحوثي دون تحرك جاد لاستعادتها. فالأولوية الوطنية تقتضي أن تتفرغ القيادات الشمالية لمعركة استعادة أراضيها، عبر المجلس العسكري المشترك، في حين تتولى حكومة جنوبية إدارة الشأن المحلي في المناطق المحررة بكفاءة ومسؤولية.
هذا المقترح لا يُقدَّم بوصفه حلًا نهائيًا للقضية السياسية، بل كآلية انتقالية لتنظيم الواقع، وتخفيف الاحتقان، وإعادة توجيه الجهود نحو الهدف الأساسي: إنهاء الانقلاب الحوثي، وتحقيق الاستقرار في المناطق المحررة.
فالمرحلة تتطلب قرارات شجاعة، تعترف بالوقائع على الأرض، وتتعامل معها بمرونة سياسية، بعيدًا عن الحسابات الضيقة.
إن نجاح أي مشروع وطني مرهون بوضوح الصلاحيات، وتحديد المسؤوليات، وتغليب المصلحة العامة على الاعتبارات الحزبية والمناطقية. واليوم، أكثر من أي وقت مضى، تحتاج عدن والجنوب إلى إدارة مستقرة، كما تحتاج الجبهات إلى قيادة عسكرية موحدة. وبين هذين المسارين يمكن أن تتشكل معالم حل مؤقت يعبر بالبلاد نحو مرحلة أكثر وضوحًا واستقرارًا.