الدكتور/ محمد ثابت الردفاني
سلامٌ على البنادق التي لا تنام، وتحية التحرير والاستقلال المعطّرة ببارود الكرامة، إلى الرجال الذين حوّلوا صدورهم متارس، وزنودهم صواعق، وأقدامهم مسامير في لحم هذه الأرض الطاهرة.
هنا، على خطوط النار وتخوم المجد، لا يُكتب التاريخ بالحبر الباهت، بل يُحفر بحدّ السلاح وبدماءٍ زكية روت التراب فأنبتت عزةً وإباء. إلى المرابطين في جحيم المواقع، القابضين على جمر المبدأ، حيث تُدكّ أوهام الغزاة وتتكسر أحلامهم تحت أقدام المقاتل الفولاذي: يا من سطرتم بدمائكم الزكية أروع ملاحم البطولات، أنتم لستم مجرد حماة حدود، أنتم سياج الروح وشهقة الحرية في صدر كل حر.
طوبى لأسود الصبيحة؛ رجال المضيق والحد والسياج المنيع، يا كاسري شوكة العدو وحاطمي غطرسته على كل شبرٍ من حدود التماس. من جبال طور الباحة وشعابها، ومن كرش وحيفان إلى حزام رأس العارة، ها هي الصبيحة اليوم تصنع انتصارات يشيب لها رأس المعتدي، وتلقّن الغزاة دروس الموت والاندحار، حيث تتساقط حشودهم كأوراق الخريف أمام صخرتكم الصلدة، وتتحول رمالكم وتلالكم إلى براكين تلتهم كل طامع. على حدود الصبيحة أدرك العدو أن العبور مستحيل والاقتراب انتحار؛ فكل حجرٍ هناك يقاتل، وكل رجل يحمل في قلبه ثأر وطن وفي سبابته رصاصة حسم لا تخطئ الهدف.
وهناك، حيث يلتحم الغضب بالثورة، تصدح قمم ردفان الشماء؛ ردفان مهبط الشرارة ومربض الذئاب الحُمر، المعقل الذي صاغ من صخر جباله قذائف لا ترحم، برجالٍ إذا نادتهم الثغور هبّوا كالسيل الجارف، يسكبون دماءهم في كل متراس ويثبتون كالأطواد الراسية لا تلين لهم قناة. وتتعانق معها هامات يافع الكبرى؛ يافع السيف والمدد، عرين الأسود وحصن حِمْيَر المنيع الذي استعصى على كل غازٍ عبر التاريخ، برجالها الصناديد وكواسرها الذين إذا صاح النفير زلزلوا الأرض فداءً ونصرة، ليتدفق شريان المدد اليافعي رجولةً وبنادق وبطولاتٍ تذود عن كل حدّ وشرف.
ومن صلب ردفان ويافع والصبيحة، تلتحم رايات لحج الخضيرة، مصنع الشجعان ومخزن الوفاء، لتسند أسوار الضالع؛ بوابة النصر العصية ومقبرة الجيوش، حيث ترتعد فرائص المعتدين في الفاخر والجب وحجر؛ الأرض التي ما انحنت يوماً لغازٍ بل بقيت كجبالها تكسر شوكة الغزاة وتدوس غطرستهم.
لترسل البشارة إلى قلب الجنوب وعاصمته، إلى عدن؛ درة التاج وثغر المجد الباسم، المدينة التي غسلت قيدها بدماء الشهداء وتنام اليوم قريرة العين آمنة، مطمئنة لأن ليوثها الصناديد يرابطون على التخوم ولا يغمض لهم جفن.
وعلى امتداد الساحل والقمم، تهدر أبين بصقورها ورجال الفداء في عقبة ثرة وأودية الشموخ، مسنودة بعزم شبوة ونخوتها؛ أرض الصحراء والذهب والكرامة، حيث قبائلها وشجعانها يرسمون خطوط الردع بالنار ويجعلون رمالهم مقابر تبتلع المعتدين.
وإلى عمق الأصالة والتاريخ في حضرموت الكبرى، بواديها الصامد وساحلها الأبي، حيث تقف الهيبة حائط صدٍّ منيعاً يحمي الأرض ويسند الجسد الواحد، ممتدة اليد إلى المهرة؛ حارسة الشرق وبوابة الصمود التليد، وصولاً إلى درة البحار وأيقونة العزة في سقطرى، المحروسة بصفاء قلوب أهلها وصلابة انتمائهم.
يا أبطالنا في الخنادق، يا صناع المجد في هذا الزمن الأغبر: دماؤكم الزكية خطّت حدود العزة، وانتصاراتكم اليوم على حدود الصبيحة وسائر الجبهات تؤكد للكون كله أن هذه الأرض محرمة على المعتدين، وأن رايتها لن تسقط ما دامت تحرسها زنود رجالٍ اشتروا الكرامة بدمائهم وأرواحهم.
كتبها بمداد العزة والانتماء: