( الحقيقة نيوز ) بقلم الصحفي السعودي راشد بن ضيف الله العنزي
لم تعد القضية اليوم قضية مدينة سقطت، ولا جبهة خسرت موقعًا عسكريًا. فبعد سقوط المخا ووصول الحوثيين إلى باب المندب، نحن أمام تطور يتجاوز حدود المعركة اليمنية، ويضع أمام المملكة والمنطقة كلها سؤالًا ثقيلًا:
كيف وصلنا إلى هنا؟ وماذا بعد؟
سنوات طويلة من الحرب، مليارات أُنفقت، تشكيلات عسكرية متعددة، ألوية وقوات تحمل أسماء مختلفة، ومستودعات مليئة بالسلاح والعتاد، ثم تأتي لحظة الاختبار الحقيقي، فإذا بكل ذلك يتهاوى في وقت قصير.
أي عقل عسكري وسياسي لا بد أن يتوقف أمام هذا المشهد.
كيف يمكن لقوات بهذا الحجم، وبهذه الإمكانات، أن تفقد مواقعها بهذه السرعة؟
وأين كانت الخطط؟
وأين كانت القيادة؟
وأين ذهبت كل تلك القوات عندما بدأت المعركة؟
إذا كانت الإجابة أن هذه القوات انسحبت، أو تفرقت، أو وقعت في الأسر، فإن علينا أن نمتلك الشجاعة للاعتراف بأن المشكلة لم تكن يومًا في نقص السلاح، وإنما في سوء بناء القوة وسوء اختيار من نعتمد عليهم ساعة المواجهة.
وهنا تحديدًا تصبح القضية أكبر من اليمن.
الهزيمة التي يجب أن تقلق المملكة
لنكن صريحين.
إذا تمكنت الميليشيا الحوثية من فرض سيطرتها على باب المندب، فإنها لن تكون قد وجهت ضربة إلى اليمن وحده، بل ستكون قد وجهت ضربة إلى أمن المنطقة وإلى المصالح السعودية مباشرة.
باب المندب ليس مجرد مضيق بحري، إنه شريان استراتيجي للتجارة والطاقة والملاحة الدولية، ومن يملك القدرة على تهديده يمتلك ورقة ضغط تتجاوز حدود اليمن بكثير.
ولهذا فإن أي خسارة في هذه المنطقة يجب ألا تُقرأ باعتبارها انتكاسة عسكرية عابرة، بل باعتبارها فشلًا في الحسابات السياسية والعسكرية التي أوصلتنا إليها.
وأقولها بمرارة: لقد حذرنا.
حذرنا كصحفيين وإعلاميين وناشطين سعوديين من الطريقة التي أُدير بها الملف اليمني، وقلنا إن المملكة بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الحليف، وفي القوى التي تستند إليها على الأرض.
لكن كثيرًا من تلك التحذيرات لم تجد آذانًا صاغية.
واليوم تظهر النتائج أمامنا.
من حرر باب المندب؟
السؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو: من قاتل الحوثيين على الأرض عندما كانت المعركة حقيقية؟
في عام 2017، كانت القوات الجنوبية في مقدمة القوات التي شاركت في عملية السهم الذهبي، وأسهمت في تحرير مناطق استراتيجية في الساحل الغربي وتأمين مواقع مهمة بالقرب من باب المندب.
هؤلاء الرجال لم يكونوا مجرد أسماء في كشوفات عسكرية.
كانوا أبناء الأرض، يعرفون تضاريسها، ويعرفون خصمهم، ولديهم دافع حقيقي للقتال.
وهذا تحديدًا هو الفارق بين القوة التي تُبنى على الورق، والقوة التي تصمد في الميدان.
فالحرب لا تنتصر بكثرة الألوية والأسماء والرتب.
الحرب تنتصر بمن لديه قضية يؤمن بها، وأرض يدافع عنها، وقيادة تثق به ويثق بها.
لماذا أضعفنا الحليف الذي أثبت نفسه؟
السؤال الأكثر إيلامًا هو: لماذا جرى التعامل مع القوات الجنوبية باعتبارها ورقة سياسية قابلة للمساومة، بدل التعامل معها كقوة عسكرية أثبتت وجودها؟
لماذا لم تُبنَ علاقة أكثر وضوحًا واستقرارًا مع المجلس الانتقالي الجنوبي وقواته؟
ولماذا ظلت قضية الجنوب معلقة بين التسويات والضغوط والمساومات، بينما كان الحوثي يواصل بناء قوته وانتظار اللحظة المناسبة؟
قد يختلف البعض مع المجلس الانتقالي سياسيًا، وهذا حق مشروع.
لكن الخلاف السياسي لا ينبغي أن يعمينا عن الحقيقة العسكرية.
القوة التي تستطيع القتال ضد الحوثيين هي قوة يجب أن تُستثمر، لا أن تُستنزف.
الثقة لا تُفرض
اليوم، لا يمكن تجاهل حقيقة أن الثقة بين المملكة وبعض القوى الجنوبية قد تعرضت للاهتزاز.
والثقة لا تعود ببيان سياسي أو لقاء بروتوكولي.
الثقة تحتاج إلى شراكة حقيقية، ومواقف واضحة، واحترام متبادل.
لقد قاتل الجنوبيون لسنوات، وسقط منهم قتلى وجرحى، ووقفوا في مواقع كان من الصعب على كثيرين الوقوف فيها.
ومن الخطأ أن نطالبهم اليوم بأن ينسوا كل ما حدث وكأن شيئًا لم يكن.
إذا كانت الرياض تريد حليفًا صادقًا ومجربًا، فعليها أن تبدأ من إعادة بناء الثقة مع القوى التي أثبتت نفسها في الميدان.
المملكة أمام لحظة مراجعة
ما حدث، أو ما قد يحدث، يجب أن يكون لحظة مراجعة شاملة.
لا نحتاج إلى مزيد من تشكيلات عسكرية ضخمة لا تصمد عند أول اختبار.
ولا نحتاج إلى مزيد من الرهانات السياسية التي تتجاهل حقائق الأرض.
ولا نحتاج إلى تحالفات مؤقتة تُبنى على الضرورة ثم تنهار عند أول منعطف.
نحتاج إلى حلفاء حقيقيين.
حلفاء يعرفون لماذا يقاتلون، ومن يقاتلون، وماذا يريدون من المستقبل.
وفي اليمن، هناك قوة جنوبية أثبتت طوال سنوات أنها قادرة على مواجهة الحوثيين، وأن لديها مصلحة مباشرة في كسر مشروعهم ومنع تمدده.
فلماذا لا نعيد بناء التحالف على أساس واقعي؟
ولماذا لا نتعامل مع الجنوبيين كشركاء حقيقيين؟
قبل أن نخسر ما تبقى
لقد أثبتت السنوات الماضية أن تجاهل الحقائق لا يغيرها.
والتعويل على أرقام القوات لا يعني امتلاك جيش حقيقي.
والتحالف مع طرف لا يعني بالضرورة أنه سيبقى حليفًا عندما تدق ساعة الصفر.
إذا كان سقوط المخا قد حدث بهذه الصورة، فإن الكارثة الحقيقية ليست في المخا وحدها.
الكارثة أن نكرر الخطأ نفسه في حضرموت أو شبوة أو أي منطقة أخرى.
وأن نكتشف بعد فوات الأوان أن الحسابات الخاطئة التي أضعفت حلفاءنا الحقيقيين، فتحت الطريق أمام خصومنا.
لذلك، لا بد أن تتوقف المملكة عن المغامرة في اختيار الحلفاء.
لدينا حلفاء مجربون، قاتلوا معنا، وسقطوا في المعركة، وأثبتوا أنهم أصحاب قضية وأصحاب أرض.
إنصافهم لا يعني منحهم شيكًا على بياض، بل يعني الاعتراف بالواقع.
والوقوف معهم لا يعني التخلي عن المصالح السعودية، بل ربما يكون الطريق الأكثر واقعية لحمايتها.
أما الاستمرار في السياسة ذاتها، وانتظار نتائج مختلفة، فهو ببساطة إصرار على الخطأ.
وفي النهاية، سيبقى السؤال معلقًا فوق باب المندب:
هل كانت خسارة المخا مجرد معركة خسرناها، أم أنها كانت نتيجة طبيعية لتحالفات أخطأنا في اختيارها؟
التاريخ وحده سيجيب.
لكن الوقت، هذه المرة، قد لا يمنحنا فرصة أخرى.