( الحقيقة نيوز ) بقلم: ديان محسن الغزالي
ليلةٌ واحدة تفصلنا عن الذكرى الثانية والثلاثين ليوم 7/7 المشؤوم، لتنكأ في قلب كل جنوبي أصيل جرحاً غائراً بدأ في صيف عام 1994م. إنها محطة ألم، لكنها في الوقت ذاته محطة صمود وتجديد للعهد؛ العهد الذي كُتب بدماء قوافل الشهداء الذين ساروا وما زالوا يسيرون على درب الحرية واستعادة الدولة من ذلك الحين وحتى يومنا هذا. للكرامة في دمائنا جينات لا تقبل المساومة، ولأنها لا تُثمّن بمال، كان قدرنا أن ندفع ثمنها من أنقى الأرواح وأغلى التضحيات، فنحن أصحاب حق، وقضيتنا عادلة وساطعة كالشمس.
ولكن، وإن كانت عدالة القضية تصنعها التضحيات، فإن حمايتها وتحقيق غاياتها تصنعها الحكمة والسياسة. ومن هنا، ومن قلب الحرص على هذا الوطن والوجع على مستقبله، وجب علينا كشباب جنوبي يطمح للنجاة بوطنه، أن نقف وقفة صادقة تشمل مراجعة جادة لخطابنا الإعلامي والسياسي.
للأسف، ينجرف اليوم الكثير من شبابنا، مدفوعين بعاطفة جياشة وحماس وطني صادق، نحو تبني خطابات إعلامية هجومية وعدائية، دون إدراك لعواقبها السياسية أو الأبواب التي قد تغلقها في وجه مشروعنا الوطني. هؤلاء، ورغم حسن نواياهم وطهر دوافعهم، يتحولون دون وعي إلى طعنة في خاصرة القضية الجنوبية، لأنهم يمنحون المتربصين بنا أسلحة مجانية لتشويه نضالنا وعزلنا عن محيطنا الحيوي.
إن قراءة المتغيرات الجارية اليوم تفرض علينا العودة إلى دفاتر الماضي وقراءة فصوله بتمعّن؛ فالتاريخ لا يرحم من يغفل عن دروسه، والأحداث الجارية الآن ما هي إلا صدى متجدد لصراعات الأمس. وإذا ما نظرنا إلى محطات نضالنا السابقة، سنجد أن الأعداء والمتربصين بالجنوب لم ينتصروا يوماً بعدالة قضيتهم، بل نجحوا تاريخياً في اختراق صفوفنا كلما استغلوا غياب الوعي السياسي، أو كلما سمحنا لخطاب العاطفة والانفعال أن يتقدم على خطاب الحكمة والاتزان. إن المعارك اليوم لم تعد تُخاض بالسلاح وحده، بل بإدارة التحالفات واستثمار الفرص والسياسة المرنة التي تحفظ الثوابت وتناور في المتغيرات.
وما أشبه الليلة بالبارحة؛ فالمؤامرات التي حيكت ضد تطلعات شعبنا في تسعينيات القرن الماضي، والتي بدأت بحملات الشيطنة الإعلامية والتمهيد السياسي لعزل الجنوب، هي ذاتها الأدوات التي تُعاد صياغتها اليوم بأشكال وبأقنعة جديدة. إن المتشابهات بين الأمس واليوم تحذرنا من أن الانجرار وراء الخطابات المتشنجة والعداء غير المدروس، قد يعيد إنتاج العزلة ذاتها التي فُرضت علينا سابقاً، مما يمنح خصومنا الذريعة لتصوير مشروعنا الوطني كمهدد للاستقرار الإقليمي والدولي، بدلاً من كونه صمام أمان للمنطقة.
النجاة بجنوبنا يتطلب جيلاً متسلحاً بالوعي والقراءة العميقة للتاريخ والواقع؛ شباباً يدركون عواقب الكلمة، ويجيدون قراءة المتغيرات قراءة صحيحة، ليكون الإعلام أداة بناء وجسر تواصل، لا وسيلة هدم تُستغل ضد تطلعاتنا المشروعة. الحماس بلا وعي قد يضر، أما الوعي فهو الدرع الحقيقي الذي يحمي التضحيات ويقود القضية نحو بر الأمان.