النقيب عواد الشلن.. حارس حوطة لحج الذي انتزعها من جحيم الفوضى وصمد في وجه المؤامرات

كتب / فارس العزيبي:

مدينة الحوطة، عاصمة محافظة لحج، لم تكن مجرد مدينة عادية على الخارطة، بل كانت عبر عقود طويلة إحدى أهم الحواضر الثقافية والسياسية في الجنوب، والحاضنة الصلبة للنضال الوطني. وفي تاريخ هذه المدينة العريقة، تتجلى محطات فارقة صنعها رجال اختاروا المواجهة في أصعب الظروف. وفي صدارة هؤلاء، يبرز اسم النقيب عواد أحمد محسن الشلن، القيادي الميداني ومدير أمن مديرية الحوطة، الذي تشكلت مسيرته من رحم المعاناة والتضحية، وجسد نموذجاً للقيادة التي تستمد مشروعيتها من الشارع وبين الناس، لا من أروقة المكاتب والصفقات المغلقة.
ولم يكن ما حققه الشلن في المجال الأمني وليد الصدفة، بل كان امتداداً لتاريخ نضالي بدأ مبكراً. فعقب انطلاق الحراك السلمي الجنوبي عام 2007م، كان عواد الشلن في طليعة الشباب الثوار المقاومين للتهميش والظلم في لحج. وامتاز بتواجده الدائم في ساحات التظاهر، وفي مقدمة المسيرات الشعبية، حتى أصبح اسمه يتردد في مختلف حارات الحوطة بوصفه أحد القيادات الميدانية الشابة التي تحمل همَّ القضية الوطنية الجنوبية.
وحين اندلعت حرب عام 2015م، واقتحمت القوات المهاجمة مدينة الحوطة، انتقل الشلن مباشرةً من النضال السلمي إلى حمل السلاح ضمن صفوف المقاومة الجنوبية. وخاض حرب شوارع استبسالية شرسة دفاعاً عن المدينة وسكانها، وكان يتنقل بين خطوط المواجهة الأولى حافي القدمين، مستبسلاً في خطوط النار. وخلال واحدة من أشد المعارك ضراوة، تعرض لإصابات بالغة الخطورة كادت تودي بحياته، ونُقل، عقب تأمين المنطقة، إلى جمهورية مصر العربية لتلقي العلاج. لكنه، وما إن دخل مرحلة التعافي، حتى عاد إلى الحوطة لمواصلة واجبه الوطني والنضالي.
في تلك الأثناء، كانت مدينة الحوطة تعيش واحدة من أحلك مراحلها. فمنذ ما قبل الحرب كانت مؤسسات الدولة قد بدأت تتهاوى، وأُخليت المقرات الأمنية ومراكز الشرطة، واستغلت الخلايا الإرهابية والعصابات المسلحة هذا الفراغ الأمني، لتشهد المدينة موجة من الاغتيالات والانفلات الأمني راح ضحيتها العشرات من الضباط والقضاة والكوادر العسكرية والناشطين السياسيين. وكانت عمليات القتل تُنفذ في وضح النهار، وأُغلقت المحاكم، وشُلّت الحركة التجارية، وساد الخوف في أوساط السكان، حتى أصبح مجرد السير في شوارع الحوطة بعد الغروب مخاطرةً بالحياة.
ثم جاءت حرب عام 2015م لتفاقم هذا الواقع بصورة أكبر، فأصبحت لحج خارج السيطرة، وتحولت شرطة المديرية إلى مبنى مهجور تعرض للنهب والدمار، بينما توارى الضباط عن الأنظار خوفاً من الجماعات المسلحة، وأطبقت الفوضى والخلايا الإرهابية الخناق على المدينة، مهددة بالسيطرة الكاملة على عاصمة المحافظة. وفي ظل هذا المشهد، أصبحت إدارة أمن الحوطة مجرد اسم على ورق، ورفض كثيرون تولي قيادتها بعدما اعتبروها مهمةً انتحارية.
في هذا التوقيت العصيب، تقدم عواد الشلن لتحمل المسؤولية التي تهرب منها الجميع. ولم يكن يمتلك إمكانات كبيرة أو دعماً أمنياً استثنائياً، بل اعتمد على رصيده النضالي، وشجاعته الشخصية، والتفاف أبناء الحوطة حوله. فتولى قيادة إدارة أمن مديرية الحوطة، وتدرج في الرتب العسكرية حتى بلغ رتبة نقيب، حاملاً روحه على كفه.
بدأ بجمع شتات الكوادر الأمنية والمقاومة الشعبية من أبناء المدينة، وأعاد فتح مقر شرطة المديرية وترميمه من بين الركام، ثم خاض مع رجاله حرباً ضارية ضد بؤر الإرهاب وخلايا الاغتيالات وعصابات السلاح والسرقة، ونزل بنفسه إلى أكثر الأحياء خطورة لملاحقة عناصر الفوضى. وخلال فترة زمنية قياسية، نجح في إعادة فرض النظام العام، وتفعيل أقسام الضبط والتحقيق، وربط الشرطة بالنيابة العامة والقضاء، لتستعيد المدينة عافيتها، وتفتح المحاكم والمحلات التجارية أبوابها، وتُطوى واحدة من أكثر صفحات تاريخ الحوطة قتامة.
ولم يقتصر دور الشلن على الجانب الأمني، بل عمل على تحويل مركز الشرطة من ثكنة مغلقة إلى ملاذ للمواطنين. فلم يكن مديراً يدير الأمور من خلف مكتبه، وإنما كان حاضراً في الميدان لمعالجة النزاعات الاجتماعية والأزمات الأمنية. وعندما كانت الاحتجاجات الشعبية تندلع بسبب انقطاع الخدمات أو تردي الأوضاع الاقتصادية، أو عند وقوع خلافات بين القبائل والأطراف المسلحة، كان يوجد بنفسه في موقع الحدث، يتحاور مع المواطنين، ويفتح الطرقات، ويعمل على احتواء التوتر، جامعاً بين هيبة القانون ومراعاة ظروف الناس.
وبالتوازي مع نجاحه الأمني، تعزز حضوره السياسي بحصوله على ثقة القيادة الجنوبية، وتعيينه عضواً في الجمعية الوطنية للمجلس الانتقالي الجنوبي ممثلاً عن مديرية الحوطة، ليجمع بين العمل الأمني الميداني والعمل السياسي، متمسكاً بالمشروع الجنوبي وخيار استعادة الدولة.
هذا الحضور الشعبي الواسع، إلى جانب نجاحه الأمني وثباته على مواقفه، جعله محل تأييد واسع داخل الحوطة، وفي المقابل أثار اعتراض أطراف سياسية رأت في بقائه عقبة أمام حساباتها. ومن هنا بدأت محاولات إبعاده عن المشهد، وتوجت بإصدار قرار إداري يقضي بإقالته من قيادة أمن الحوطة وتكليف بديل عنه.
إلا أن القرار قوبل برفض شعبي واسع، حيث خرج أبناء الحوطة وأنصار المقاومة والقيادات المحلية في احتجاجات رافضة، مؤكدين أن النقيب عواد الشلن أصبح جزءاً من معادلة الاستقرار الأمني في المدينة، وأن إبعاده يمثل مساساً بأمن الحوطة واستقرارها.
وأمام حجم الرفض الشعبي والاحتقان الذي كاد يخرج عن السيطرة، تدخل محافظ لحج، مراد الحالمي، بصفته رئيس اللجنة الأمنية، وأصدر قراراً بتجميد قرار الإقالة، في خطوة عدّها مؤيدو الشلن اعترافاً بدوره في حماية المدينة، وبأنه أصبح أحد أبرز رموزها الأمنية خلال السنوات الماضية.

#فارس_العزيبي

جميع الحقوق محفوظة لموقع الحقيقة نيوز © 2024