( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
تشهد المنطقة تحولات سياسية وأمنية متسارعة تفرض على القوى الفاعلة إعادة ترتيب أولوياتها الاستراتيجية بما ينسجم مع متطلبات المرحلة، ويعزز فرص الاستقرار طويل المدى.
وفي هذا السياق، تتزايد الدعوات السياسية والإعلامية لفتح صفحة جديدة من العلاقات بين المملكة العربية السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي بقيادة الرئيس عيدروس الزبيدي، باعتبار أن هذه الشراكة تمثل إحدى الركائز الأساسية لحماية الأمن الإقليمي وضمان استقرار الممرات البحرية الحيوية في المنطقة.
لقد أثبتت التجارب السياسية والعسكرية خلال السنوات الماضية أن الجنوب يشكل عمقاً استراتيجياً بالغ الأهمية في معادلة الأمن الإقليمي، نظراً لموقعه الجغرافي المطل على أهم الممرات البحرية الدولية، وفي مقدمتها باب المندب وخطوط الملاحة المرتبطة به، وهو ما يجعل استقراره ليس شأناً محلياً فحسب، بل قضية إقليمية ودولية ترتبط مباشرة بأمن التجارة العالمية والطاقة والمصالح الحيوية للدول العربية.
وتشير قراءات سياسية إلى أن تعزيز الشراكة مع القوى الجنوبية الفاعلة على الأرض يمثل خياراً واقعياً يسهم في بناء منظومة أمنية أكثر تماسكاً، ويمنح المنطقة حليفاً ثابتاً يمتلك الإرادة والقدرة على حماية مصالحها المشتركة.
كما أن فتح قنوات سياسية أوسع مع القيادة الجنوبية من شأنه أن يعزز مسارات التفاهم السياسي، ويحد من التوترات التي أسهمت خلال فترات سابقة في إرباك المشهد وإضعاف الجهود الرامية إلى تحقيق الاستقرار.
وفي المقابل، يلفت عدد من المراقبين إلى أن الاستمرار في التعاطي مع قوى سياسية لا تسهم في تثبيت الاستقرار أو تدفع نحو تعميق الخلافات الداخلية قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة اليمنية وتعقيد مسارات الحل السياسي. وفي هذا الإطار يبرز الجدل السياسي المرتبط بدور حزب الإصلاح اليمني وتأثيره في توازنات المشهد السياسي، وسط دعوات متزايدة لإعادة تقييم التحالفات وفق معيار القدرة على تحقيق الاستقرار الفعلي على الأرض.
إن فتح صفحة جديدة من التفاهمات بين المملكة والجنوب لا يقتصر على البعد السياسي فقط، بل يشمل أيضاً أبعاداً اقتصادية وتنموية وأمنية، حيث يمكن لهذه الشراكة أن تسهم في دعم مشاريع التنمية وإعادة الإعمار وتعزيز قدرات المؤسسات المحلية، بما ينعكس إيجاباً على تحسين الأوضاع المعيشية وترسيخ الاستقرار الاجتماعي، وهو ما يمثل قاعدة أساسية لأي استقرار سياسي دائم.
كما أن كسب ثقة أبناء الجنوب وتعزيز الشراكة معهم سيمنح المملكة حليفاً إقليمياً موثوقاً قادراً على الإسهام في حماية الأمن العربي ومواجهة أي محاولات للتدخل الخارجي في شؤون المنطقة، خصوصاً في ظل التحديات الجيوسياسية المتصاعدة التي تتطلب تحالفات قائمة على المصالح الاستراتيجية الواضحة والالتزامات المتبادلة.
وفي المحصلة، تبدو المرحلة الراهنة بحاجة إلى رؤية سياسية واقعية تعيد صياغة التحالفات وفق معايير الاستقرار والشراكة الفاعلة، بما يضمن بناء منظومة إقليمية أكثر تماسكاً وقدرة على مواجهة التحديات. ومن هذا المنطلق، فإن تعزيز العلاقة بين المملكة والجنوب يمثل خطوة استراتيجية ضرورية ليس فقط لمعالجة تعقيدات المرحلة الحالية، بل أيضاً لصناعة مستقبل أكثر أمناً واستقراراً للمنطقة بأكملها.