( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
تتجه الأنظار مجددًا نحو العاصمة السعودية الرياض بوصفها إحدى أهم الساحات السياسية التي يمكن أن تتشكل فيها ملامح الحلول الكبرى للأزمة اليمنية عمومًا، والقضية الجنوبية على وجه الخصوص. غير أن قراءة المشهد بواقعية سياسية تشير إلى أن أي مسار تفاوضي لن يكون قادرًا على إنتاج حل عادل ومستدام للقضية الجنوبية ما لم يستند إلى الإرادة الشعبية الجنوبية وإلى الوقائع التي فرضها الجنوبيون على الأرض خلال السنوات الماضية.
لقد أثبت الشارع الجنوبي، عبر تضحياته المستمرة وحضوره السياسي والشعبي، أن القضية الجنوبية لم تعد قضية هامشية يمكن تجاوزها أو تأجيلها ضمن ترتيبات سياسية مؤقتة، بل أصبحت قضية سياسية قائمة بذاتها، تمتلك حاضنة شعبية واسعة، وتمثيلاً سياسياً واضحاً يسعى إلى نقلها من إطار الصراع إلى إطار الحلول السياسية المنظمة والمعترف بها إقليمياً ودولياً.
وفي هذا السياق، يبرز المجلس الانتقالي الجنوبي، بقيادة الرئيس عيدروس قاسم الزُبيدي، بوصفه الممثل السياسي الأبرز الذي عمل خلال المرحلة الماضية على نقل القضية الجنوبية من ميادين المواجهة إلى طاولات الحوار، محافظًا على ثوابتها الأساسية، ومؤكدًا أن أي تسوية سياسية لا تتضمن اعترافًا واضحًا وعادلاً بالقضية الجنوبية لن تكون قابلة للاستمرار أو النجاح.
إن الرياض، بما تمثله من ثقل سياسي إقليمي ودور محوري في الملف اليمني، يمكن أن تكون ساحة مهمة لصناعة الحلول، لكنها في الوقت ذاته ليست ساحة تنازل عن الحقوق، بل ساحة يمكن من خلالها انتزاع الاعتراف السياسي عندما يقف خلف المفاوض موقف شعبي موحّد، وضغط سياسي منظم، ورؤية واضحة تحدد الأهداف الوطنية بدقة.
لقد أثبتت التجارب السياسية أن القضايا التي تمتلك إرادة شعبية حقيقية لا يمكن تجاوزها مهما طال الزمن، وأن تجاهل مطالب الشعوب لا يلغيها بل يؤجل لحظة التعامل معها. ومن هنا فإن الطريق الواقعي نحو الحل لا يمر عبر الالتفاف على القضية الجنوبية أو محاولة إدماجها قسرًا في معالجات عامة، بل عبر الاعتراف بها كقضية سياسية كاملة الحقوق، والعمل على إيجاد تسوية عادلة تلبّي تطلعات شعب الجنوب وتفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الاستقرار في المنطقة.
إن صوت الشارع الجنوبي الذي يُسمع اليوم بوضوح في مختلف المحافل السياسية سيبقى حاضرًا في كل مسارات التفاوض، وسيظل عاملًا مؤثرًا في رسم ملامح المرحلة القادمة، لأن القضايا العادلة لا تُطوى بالصمت، بل تُحسم عندما تتلاقى الإرادة الشعبية مع الإرادة السياسية في لحظة اعتراف تاريخية لا يمكن تجاهلها.