كتب / غازي العلوي :
تتصاعد في الآونة الأخيرة وتيرة الحملات الإعلامية التي تستهدف القضية الجنوبية والمجلس الانتقالي الجنوبي العربي وقياداته، عبر موجات متلاحقة من التشكيك والتضليل ومحاولات التأثير في المزاج العام. ويبدو أن هذه الحملات لم تعد تقتصر على استهداف مواقف أو شخصيات بعينها، بل تمتد إلى التشويش على الفعاليات الجماهيرية الكبرى التي يدعو إليها المجلس، في محاولة لإرباك المشهد والتقليل من حجم التفاعل الشعبي معها. ولعل ما يثار اليوم حول مليونية الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي يذكّر بحملات مشابهة رافقت فعاليات ومحطات جنوبية سابقة، حيث تتصاعد وتيرة التشكيك كلما اقترب موعد فعالية جماهيرية كبيرة، وتتركز أحياناً على القيادات التي عُرفت بثباتها في مواقع المسؤولية، وفي مقدمتها الأستاذ وضاح نصر عبيد الحالمي.
فالحملة، التي يتعرض لها الرجل بحجم ما يُضخ فيها من منشورات وشائعات ومحاولات تشكيك، لا تبدو مجرد اختلاف في وجهات النظر أو نقد سياسي طبيعي، وإنما تكشف عن حالة من الاستهداف المتعمد لشخصية أصبحت حاضرة في صلب المشهد السياسي والتنظيمي الجنوبي، خصوصاً في هذه المرحلة الحساسة التي تتطلب أعلى درجات التماسك والانضباط.
واللافت أن الهجوم على الحالمي يأتي في توقيت بالغ الدلالة، بالتزامن مع الاستعدادات الجارية لإحياء الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، من خلال المليونية المرتقبة يوم الثلاثاء في العاصمة عدن ومحافظة حضرموت، وهي مناسبة تحمل دلالات وطنية وتاريخية كبيرة لدى أبناء الجنوب.
وهنا يبرز السؤال الأهم: لماذا تتصاعد حملات التشكيك تحديداً كلما اقتربت الاستحقاقات الجماهيرية الجنوبية الكبرى؟
إن ضخ الشائعات حول المليونية، والتشكيك في التحضيرات، ومحاولة بث الإحباط بين الجماهير، كلها أدوات معروفة في حملات التأثير الإعلامي التي تستهدف إرباك الجمهور وضرب الثقة وإضعاف الحشد قبل وصوله إلى لحظة الاستحقاق.
ومن الصعب فصل هذا الضجيج عن أهمية المليونية نفسها؛ فكل تجمع جنوبي واسع يعيد التأكيد على حضور القضية الجنوبية وإرادة أبنائها يمثل، بالضرورة، رسالة سياسية وشعبية لا يمكن تجاهلها.
وفي خضم ذلك، يبدو أن الأستاذ وضاح الحالمي قد أصبح واحداً من أبرز الشخصيات التي تتعرض للاستهداف، ليس لأنه غاب عن المشهد، وإنما لأنه ظل حاضراً فيه.
لقد أثبتت التجارب أن القيادة لا تُقاس بعدد الكلمات التي تُقال في أوقات الرخاء، وإنما بالمواقف التي تُتخذ عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة، وعندما يتراجع البعض، ويختار آخرون الابتعاد عن المشهد أو التزام الصمت.
وفي هذه المرحلة، كان الحالمي في موقع المسؤولية، يتحمل أعباء العمل التنظيمي والسياسي، ويقود دفة الأمانة العامة لهيئة رئاسة المجلس الانتقالي الجنوبي العربي، في ظل تحديات متراكمة وتعقيدات سياسية وتنظيمية كبيرة.
ولعل أكثر ما يزعج خصومه أن الرجل لم يكتفِ بالبقاء في موقع المسؤولية، بل عمل على تعزيز حضور الأمانة العامة وتفعيل أدوارها، والحفاظ على تماسك بنيتها التنظيمية، والمضي في تنفيذ المهام الموكلة إليها، في وقت كانت فيه محاولات إرباك المشهد الجنوبي على أشدها.
إن استهداف الحالمي اليوم لا ينبغي قراءته بمعزل عن موقعه ودوره، كما أن الرد على هذه الحملات لا يكون بالانجرار إلى معارك جانبية أو الدخول في سجالات مع أصحاب الحسابات الوهمية والناشطين الذين يتغذون على الإشاعة، وإنما يكون بالعمل والإنجاز والوقائع.
فالحقيقة أقوى من الشائعة، والميدان أصدق من المنشور، والجماهير التي تعرف قياداتها وتتابع أداءها ليست بحاجة إلى وصاية من أحد كي تحدد موقفها.
أما أولئك الذين يحاولون تصوير المجلس الانتقالي الجنوبي العربي على أنه كيان هش قابل للانهيار بمجرد إطلاق عشرات المنشورات، فعليهم أن يدركوا أن المؤسسات السياسية لا تُقاس بما يُكتب عنها في منصات التواصل الاجتماعي، وإنما بقدرتها على الصمود والعمل والحضور على الأرض.
ومن هنا، فإن الحملة ضد الحالمي قد تكون، دليلاً على حجم الحضور الذي بات يمثله الرجل داخل المشهد التنظيمي والسياسي، أكثر مما هي دليل على ضعف أو تراجع.
لقد اعتاد الجنوب، عبر تاريخه، أن يشهد حملات تستهدف رموزه وقياداته كلما اشتدت الحاجة إلى وحدة الصف، وكلما اقتربت محطات جماهيرية وسياسية مهمة. ولذلك فإن الوعي الحقيقي اليوم يتمثل في عدم السماح للشائعات بأن تتحول إلى وقود للانقسام، أو أن تصبح المنصات الإعلامية ساحة لتصفية الحسابات على حساب قضية أكبر من الجميع.
وفي الذكرى الخامسة والخمسين لتأسيس الجيش الجنوبي، فإن الرسالة الأهم ليست الرد على هذا المنشور أو ذاك، وإنما إنجاح الاستحقاق الجماهيري، وإظهار حجم الالتفاف الشعبي، والتأكيد على أن الجنوب قادر على تجاوز محاولات التشويش، مهما ارتفع ضجيجها.
أما وضاح الحالمي، فلا يحتاج لشهادة اصحاب الايادي المرتعشة والمرتهنون لاعداء الجنوب بل يبقى الحكم على أدائه رهناً بما انجزه في موقع المسؤولية، لا بما تكتبه حملات التشويه ويكفيه انه ثبت حين توارى الاخرون وعمل ومازال يعمل في ظروف بالغة التعقيد وعلى كل المستويات.
فالذين يتقدمون الصفوف في الأوقات الصعبة يدركون أن طريق العمل العام ليس مفروشاً بالورود، وأن كل نجاح حقيقي له خصوم، وكل موقف صلب له من يحاول كسره، وكل حضور فاعل يجذب حوله محاولات الاستهداف.
والفارق في النهاية أن الضجيج ينتهي، بينما تبقى المواقف.
وإذا كانت هذه الحملات تراهن على إرباك الحالمي أو إضعاف الأمانة العامة أو التأثير على الحضور الجماهيري في مليونية عدن وحضرموت، فإن أفضل رد عليها سيكون في الميدان: حضوراً جماهيرياً واسعاً، وانضباطاً مسؤولاً، ورسالة جنوبية واضحة، بعيداً عن الشائعات والاستفزازات.
فالمعركة الحقيقية ليست بين الحالمي وخصومه، وإنما بين مشروع يريد الحفاظ على تماسك الصف الجنوبي وتعزيز حضوره، وبين محاولات لا تجد وسيلة لمواجهته سوى التشكيك والتضليل.
وفي نهاية المطاف، ستبقى الحقيقة أبسط من كل هذه الضوضاء:
من ثبت عندما تراجع الآخرون، ومن تحمل المسؤولية عندما اشتدت العاصفة، لا تسقطه حملة على منصات التواصل الاجتماعي.
وإذا كانت هناك من رسالة ينبغي أن تُقال اليوم، فهي أن وحدة الصف الجنوبي، ونجاح الاستحقاقات الجماهيرية، والحفاظ على المؤسسات، أهم بكثير من كل حملات التشويه العابرة.
وسيظل الميدان وحده قادراً على كشف الحقيقة.
#غازي_العلوي