الحقيقه نيوز /تقرير/فاطمة اليزيدي:
خمسة وخمسون عامًا من الذاكرة التي لم تنكسر:
في الذاكرة الجنوبية محطات لا تُقاس بعدد السنوات، بل بحجم ما تركته من أثر في وجدان شعبٍ عرف معنى الدولة، وأدرك مبكرًا أن بناء المؤسسات ليس ترفًا سياسيًا، وأن الجيش ليس مجرد تشكيلات عسكرية، بل عنوانٌ للسيادة والانضباط وحماية الأرض وصون القرار.
ومن هنا تأتي ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي بوصفها مناسبة تستحضر تاريخًا طويلًا من البناء والتضحيات، وتعيد إلى الواجهة صورة مؤسسة ارتبط اسمها بمرحلة مفصلية من تاريخ الجنوب، حين كان تأسيس جيشٍ منظم يمثل أحد أبرز ملامح الدولة ومؤسساتها الحديثة.
لقد مضت خمسة عقود ونصف على تلك اللحظة، لكن الذاكرة لم تطوَ، لأن المؤسسات التي تُبنى بالإرادة لا تموت بسهولة، ولأن الشعوب التي تحمل تاريخها في وجدانها قادرة على استعادة ما تراه حقًا أصيلًا من حقوقها الوطنية.
*جيشٌ وُلد من رحم الدولة لا من هامشها:
لم يكن تأسيس الجيش الجنوبي حدثًا عابرًا في سجل التاريخ، بل كان جزءًا من مشروع بناء دولة ومؤسسات، حيث ارتبط الجيش بمنظومة واسعة من مؤسسات الدولة التي شكلت في تلك المرحلة ملامح كيان سياسي وإداري وعسكري متكامل.
وكانت المؤسسة العسكرية الجنوبية مدرسةً للانضباط والتأهيل وتحمل المسؤولية، واحتضنت أجيالًا من العسكريين الذين حملوا شرف الخدمة العسكرية، وتركوا بصماتهم في مسيرة طويلة من العمل والتضحية.
واليوم، حين تُستعاد هذه الذكرى، فإن استحضارها لا يعني الوقوف عند الماضي فحسب، بل يعني قراءة الحاضر بعين المستقبل، واستعادة مفهوم المؤسسة بوصفه أساسًا لأي مشروع وطني قادر على الصمود والاستمرار.
*من رماد الانكسارات تبدأ مرحلة البناء:
تاريخ الجنوب لم يكن خاليًا من المنعطفات القاسية، فقد تعرضت مؤسساته العسكرية والمدنية لهزات عميقة، وتشتتت كوادره، وتعرضت بنيته المؤسسية لسنوات طويلة من التهميش والتفكيك.
لكن المؤسسة التي تستند إلى إرث بشري وتاريخ عسكري لا يمكن محوها بقرار أو تجاوزها بالنسيان.
لقد بقيت الخبرة العسكرية الجنوبية حاضرة في ذاكرة أجيال متعاقبة، وبقيت فكرة الجيش المنظم والمؤسسة المنضبطة جزءًا من الوعي العام، حتى في أكثر المراحل صعوبة.
ولهذا فإن الحديث اليوم عن إعادة بناء المؤسسات الجنوبية ليس حنينًا إلى الماضي، بل استجابة لحاجة الحاضر واستحقاق المستقبل؛ فالأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، وإنما بمؤسسات راسخة، وجيشٍ منظم، وأجهزة أمنية محترفة، وقيادات تعرف أن القوة الحقيقية تبدأ من الانضباط وتنتهي بحماية الإنسان والأرض.
*مؤسسات الجنوب… عنوان المرحلة القادمة:
الرسالة الأهم التي تحملها هذه الذكرى أن الجنوب لا يحتاج إلى استعادة الذاكرة فقط، بل إلى تحويل الذاكرة إلى مشروع بناء.
فالمؤسسة العسكرية القوية هي التي تقوم على الكفاءة والتأهيل والتراتبية والانضباط، وتحظى باحترام منتسبيها والمجتمع، وتعمل وفق قواعد واضحة، وتضع حماية الأرض والمواطن فوق كل اعتبار.
ومن هنا يصبح بناء المؤسسات الجنوبية مسارًا لا يحتمل التأجيل، لأن أي مشروع سياسي أو وطني يحتاج إلى مؤسسات قادرة على حمايته وترجمة أهدافه إلى واقع.
إن استعادة روح المؤسسة لا تعني استنساخ الماضي بكل تفاصيله، وإنما تعني الاستفادة من دروسه، وتجاوز أخطائه، وبناء منظومة حديثة تستوعب متطلبات العصر وتحمل في الوقت ذاته خصوصية الجنوب وإرثه التاريخي.
*ذاكرة الدم… وإرادة لا تعرف الانطفاء:
خلف كل مرحلة من مراحل بناء الجيوش والمؤسسات تضحيات لا تظهر دائمًا في صفحات الكتب، لكنها تبقى حاضرة في ذاكرة الناس.
وفي الذاكرة الجنوبية أسماء رجال حملوا السلاح دفاعًا عن أرضهم، وآخرون قضوا أعمارهم في ميادين الخدمة العسكرية، وبين هؤلاء أجيال كاملة دفعت ثمن التحولات السياسية والعسكرية، وظلت متمسكة بفكرة أن الجنوب يستحق مؤسسات تحميه وتحفظ أمنه وتصون كرامة أبنائه.
ولهذا فإن الوفاء الحقيقي لتلك التضحيات لا يكون بمجرد الاحتفاء بذكراها، وإنما بتحويلها إلى دافع لبناء مؤسسة عسكرية جنوبية حديثة، قادرة على أداء واجبها باحتراف، ومحصنة بالوعي الوطني والانضباط والقانون.
*المستقبل لا يُبنى بالحنين وحده:
بعد خمسة وخمسين عامًا، تبدو الرسالة أكثر وضوحًا: التاريخ وحده لا يكفي، والذكريات مهما كانت عظيمة لا تصنع مستقبلًا ما لم تتحول إلى إرادة عمل.
لقد تغيرت الظروف، وتبدلت المعادلات، وظهرت تحديات جديدة، لكن الحاجة إلى المؤسسة بقيت ثابتة.
فالجنوب الذي يريد أن يحجز مكانه في المستقبل يحتاج إلى مؤسسات قوية بقدر حاجته إلى مشروع سياسي واضح، ويحتاج إلى جيش وأمن قادرين على حماية المجتمع، وإلى كوادر مؤهلة تؤمن بأن المؤسسة فوق الفرد، وأن القانون فوق القوة، وأن الوطن هو الغاية الأولى والأخيرة.
*خاتمة… من يستعيد مؤسساته يستعيد قدرته على صناعة مستقبله:
خمسة وخمسون عامًا ليست مجرد رقم في روزنامة التاريخ، بل ذاكرة مؤسسة عسكرية تركت أثرًا عميقًا في تاريخ الجنوب، ومرحلة تختزن دروسًا لا يجوز أن تضيع بين صفحات الماضي.
واليوم، لا ينبغي أن تكون هذه الذكرى محطة للبكاء على ما مضى، بل لحظة إعلان عن إرادة جديدة: إرادة إعادة بناء المؤسسات، وترميم ما تصدع، واستعادة الانضباط، وتكريم التضحيات بالفعل لا بالكلمات.
فالجنوب لا يحتاج إلى مؤسسات من ورق، ولا إلى شعارات مؤقتة، وإنما إلى مؤسسات حقيقية تقف على أرض صلبة، وجيشٍ يحمي ولا يتجزأ، وأمنٍ يصون ولا يساوم، ودولةٍ تكون مؤسساتها أقوى من الأشخاص وأبقى من المراحل.
لقد سقطت أشياء كثيرة من الذاكرة، لكن روح المؤسسة بقيت.
وحين تتلاقى الذاكرة مع الإرادة، والتاريخ مع مشروع المستقبل، فإن ما يبدو اليوم حلمًا يمكن أن يتحول غدًا إلى واقع.
فالدم الذي صان الأرض لا يجوز أن يذهب هدرًا، والإرادة التي أبقت الفكرة حيّة طوال العقود قادرة على إعادة بناء المؤسسات من جديد. ومن هنا يبدأ الفصل القادم: فصل الجنوب الذي لا يكتفي باستعادة تاريخه، بل يصنع مستقبله بيد أبنائه ومؤسساته وإرادته