القحط وشحة المياه في وادي معربان ردفان.. حين تصبح السدود ذاكرةً حيّة للعطاء.

( الحقيقة نيوز  )  بقلم- عبدالله قاسم جابر

في وادي معربان بمديرية ردفان، لم تعد شحة المياه مجرد مشكلة موسمية عابرة، بل أصبحت واقعًا يفرض نفسه على حياة الناس يومًا بعد يوم. فمع تأخر هطول الأمطار واشتداد الجفاف، بدأت ملامح القحط تظهر بوضوح على الوادي، وأصبحت المياه حديث الأهالي وهاجس الأسر والمزارعين ومربي المواشي.

وتزداد قسوة المشهد عندما تتراجع مصادر المياه التي اعتاد عليها الناس، وتبدأ الآبار في الانخفاض أو تعجز عن توفير الكميات التي يحتاجها المواطنون، فيجد الأهالي أنفسهم أمام معاناة حقيقية في تأمين أبسط احتياجات الحياة: ماء الشرب.

وهذه المعاناة ليست جديدة على مناطق ردفان؛ فقد تناولت تقارير صحفية خلال السنوات الماضية أزمة شحة المياه والجفاف في عدد من مناطق المديرية، وأشارت إلى نضوب الآبار والحواجز المائية وتأثر السكان والماشية والزراعة بذلك.

*معربان.. وادٍ ينتظر الغيث*

وادي معربان من المناطق التي ارتبطت حياة أهلها بالمطر والمياه الموسمية. فعندما تهطل الأمطار تمتلئ الشعاب والمجاري المائية والسدود، وتعود الأرض إلى الحياة، ويستبشر الناس بموسم أفضل.

لكن عندما تتأخر الأمطار، يتغير كل شيء.

تجف الأرض، وتضعف المراعي، وتتراجع الزراعة، وتزداد الحاجة إلى المياه، ويصبح المواطن أمام رحلة بحث متواصلة عن مصدر يؤمن له ولأسرته حاجته اليومية.

وفي هذه الأيام تحديدًا، ومع استمرار شحة الأمطار، تبدو الحاجة إلى الاستفادة من كل قطرة ماء أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى.

فالمياه ليست ترفًا، وليست خدمة يمكن الاستغناء عنها، بل هي أساس الحياة، وغيابها يعني أن تتعطل جوانب كثيرة من حياة الناس.

*السدود.. نعمة تظهر قيمتها وقت القحط*

في أوقات الوفرة قد لا يشعر الإنسان بالقيمة الحقيقية للسد أو الحاجز المائي، لكن عندما يأتي موسم الجفاف تتضح أهمية تلك المنشآت التي تحفظ مياه الأمطار وتؤجل ضياعها.

وهنا تظهر قيمة سدود المرحوم ثابت حسن، التي تمثل بالنسبة لأهالي المنطقة موردًا مائيًا له أهمية كبيرة، خصوصًا في الظروف الصعبة التي يعيشها الوادي اليوم.

لقد أدرك ثابت حسن رحمه الله أهمية الماء، ولم ينظر إلى السدود باعتبارها مجرد منشآت تُبنى وتنتهي مهمتها، بل جعل لها أثرًا يبقى وينفع الناس.

والأجمل من ذلك أن المرحوم ثابت حسن جعل للمواطنين نصيبًا من مياه سدوده، لتكون هذه المياه بابًا من أبواب الخير الذي يستمر أثره في حياة الناس.

وهذا هو العمل الذي يبقى أثره بعد رحيل صاحبه.

فالإنسان قد يرحل، لكن الماء الذي حفظه، والسد الذي بناه، والخير الذي تركه، يستمر في خدمة الناس، وتبقى سيرته مرتبطة بكل أسرة استفادت من ذلك الماء، وبكل مزارع سقى أرضه، وبكل مواطن وجد مصدرًا للماء في زمن الشدة.

*لماذا تبدو مياه السدود أكثر نفعًا في هذه الأيام؟*

في الظروف الحالية التي يعيشها وادي معربان، لا ينبغي النظر إلى الآبار والسدود باعتبار أن أحدهما يلغي الآخر، فكل مصدر للمياه له أهميته.

لكن في مواسم الجفاف، تصبح مياه السدود التي تم تخزينها من مياه الأمطار مصدرًا مهمًا جدًا؛ لأنها تمثل مخزونًا مائيًا يمكن الاستفادة منه عندما تتراجع الأمطار وتنخفض مستويات المياه الجوفية.

أما الاعتماد الكامل على الآبار، في ظل قلة الأمطار واستمرار السحب من المياه الجوفية، فقد يؤدي إلى تراجع منسوب المياه فيها، خصوصًا إذا استمر الجفاف فترة طويلة.

ولهذا فإن تجربة سدود ثابت حسن رحمه الله تقدم درسًا مهمًا: الماء الذي نستطيع تخزينه في موسم المطر هو ثروة للأيام التي ينقطع فيها المطر.

وقد أظهرت تجارب مناطق أخرى في ردفان أن السكان يعتمدون على تخزين مياه الأمطار في السدود والحواجز لمواجهة فترات الجفاف، وأن هذه المصادر قد تكون شريانًا أساسيًا للحياة عندما تتراجع مصادر المياه الأخرى ومن تلك المناطق حنكة معربان وبلاد البكري وبعضاً من آل لاوع وذا الزحرة وناس قليل من قتيده.

*من ذاكرة السد إلى مستقبل الوادي*

إن الحديث عن سدود ثابت حسن رحمه الله وغيرها من السدود ليس حديثًا عن الماضي فقط، بل هو حديث عن المستقبل أيضًا.

فالمطلوب اليوم ليس فقط الاستفادة من المياه الموجودة في السدود، وإنما التفكير في كيفية الحفاظ عليها، وتنظيم استخدامها، وصيانتها، وتوسعتها متى ما أمكن، والعمل على إنشاء سدود وحواجز إضافية في مواقع مناسبة.

*وادي معربان بحاجة إلى رؤية مائية طويلة المدى*.

رؤية لا تنتظر موسم الجفاف حتى تبدأ في البحث عن حلول، ولا تنتظر حتى تنضب الآبار حتى تتحرك، وإنما تستعد منذ موسم الأمطار لحفظ المياه وتخزينها والاستفادة منها في أشهر الجفاف.

إن كل قطرة ماء يتم حفظها اليوم يمكن أن تكون سببًا في بقاء أسرة في أرضها غدًا.

وكل سد يتم إنشاؤه أو صيانته يمكن أن يكون سببًا في استمرار الزراعة والرعي وتربية المواشي.

وكل مشروع مائي ناجح يمكن أن يخفف من معاناة المواطنين ويحد من ظاهرة النزوح التي قد يفرضها الجفاف على بعض الأسر.

*القحط لا يؤثر على الإنسان وحده*

عندما تشح المياه، لا تتوقف المعاناة عند توفير ماء الشرب.

فالزراعة تتأثر، والمواشي تحتاج إلى الماء، والنباتات والمراعي تجف، وتصبح الحياة اليومية أكثر صعوبة.

وقد أشارت تقارير عن الجفاف في ردفان إلى أن شحة المياه أثرت في الرعي والزراعة وتربية المواشي، بل دفعت بعض السكان في المناطق المتضررة إلى بيع مواشيهم والتفكير في الانتقال من مناطقهم بسبب قسوة الظروف.

ولهذا فإن أزمة المياه في وادي معربان يجب أن ينظر إليها باعتبارها قضية حياة واستقرار وتنمية، وليست مجرد مشكلة تتعلق بمياه الشرب.

*ثابت حسن وغيره من الآباء والأجداد رحمهم الله.. أثر الإنسان بعد رحيله*

من أجمل ما يمكن أن يتركه الإنسان بعد رحيله عملٌ ينتفع به الناس.

وهذا ما يجعل الحديث عن المرحوم ثابت حسن حديثًا عن أثر طيب تركه خلفه.

فالسدود التي أقامها ليست مجرد حجارة وإسمنت ومياه محجوزة خلف جدار؛ إنها صورة من صور العطاء، وذاكرة تحمل معنى الوفاء للمجتمع.

وعندما يستفيد المواطن من مياه هذه السدود في وقت القحط، فإنه يتذكر صاحبها بالدعاء والرحمة.

وهنا تتجلى قيمة العمل الذي يتجاوز عمر صاحبه.

رحل ثابت حسن رحمه الله، لكن الماء الذي حفظه ما زال يتحدث عن عطائه.

رحل جسده، وبقي أثره.

رحل عن الدنيا، لكن الخير الذي صنعه ما زال حاضرًا بين الناس.

وهذه هي الأعمال التي تستحق أن تُذكر، وأن يُحافظ عليها، وأن يتعلم منها الجيل الجديد معنى أن يخدم الإنسان مجتمعه بما يستطيع.

*الحاجة إلى إدارة رشيدة للمياه*

على الجهات المعنية أن تولي وادي معربان ومناطق ردفان المتضررة من الجفاف اهتمامًا أكبر، وأن تعمل على دعم مشاريع حصاد مياه الأمطار، وصيانة السدود القائمة، وإنشاء منشآت مائية جديدة بحسب الحاجة والإمكانات.

كما أن من المهم دراسة مصادر المياه بصورة علمية، ومعرفة مستوى المياه الجوفية، ومعدلات تغذيتها، حتى لا يتحول الاعتماد على الآبار إلى استنزاف يفاقم المشكلة مستقبلًا.

لا بد من استثمار موسم المطر

ربما لا نستطيع التحكم في موعد نزول المطر، لكننا نستطيع أن نتحكم في جزء كبير من الطريقة التي نستفيد بها منه.

المطر الذي يسقط في الوادي ثم يذهب إلى مجاري السيول ويضيع بعيدًا، يمكن أن يتحول إلى مخزون مائي إذا تم إنشاء السدود والحواجز المناسبة.

وهنا تكمن أهمية تجربة ثابت حسن رحمه الله.

فالسد الناجح ليس مجرد مشروع في موسم المطر؛ إنه مشروع لمواجهة موسم الجفاف.

وكلما زادت قدرة المنطقة على حصاد مياه الأمطار، قلت درجة اعتمادها على مصدر واحد للمياه.

رسالة إلى أبناء معربان

يا أبناء وادي معربان..

إن الماء الذي بين أيديكم اليوم أمانة.

والسدود التي تركها السابقون، إنما هي ثروة يستفيد منها الحاضر ويحافظ عليها من أجل المستقبل.

فلنحافظ على سدودنا.

ولنحافظ على مياهنا.

ولنحافظ على ما تركه لنا اجدادنا 

ولنجعل من تجربة المرحوم ثابت حسن رحمه الله نموذجًا يحتذى به في خدمة المجتمع.

فربما لا يستطيع كل إنسان أن يبني سدًا، لكن يستطيع كل إنسان أن يساهم في حماية الماء.

قد يساهم أحدهم بالمال، وآخر بالجهد، وآخر بالفكرة، وآخر بالتوعية، وآخر بالدعاء لمن تركوا لنا هذه المشاريع.

المهم ألا نترك هذه النعمة تضيع.

معاناة اليوم.. ودرس للغد

إن القحط الذي يمر به وادي معربان اليوم يجب ألا يكون مجرد موسم صعب ثم ينتهي، بل ينبغي أن يكون درسًا يدفع الجميع إلى التفكير بجدية في مستقبل المياه.

فالجفاف قد ينتهي بنزول المطر، لكن مشكلة المياه قد تعود في العام المقبل، وربما بصورة أشد.


*خاتمة*

إن ما يعيشه وادي معربان من قحط وشحة في المياه يذكّرنا بحقيقة بسيطة لكنها عظيمة: الماء هو الحياة، ومن حفظ الماء حفظ الحياة.

وفي الوقت الذي يبحث فيه الناس اليوم عن مصادر المياه، تظهر قيمة السدود ومنها سدود ثابت حسن رحمه الله بصورة أكبر، وتظهر معها قيمة ذلك العطاء الذي تركه لأبناءه وللمنطقة.

لقد جعل أولاده وعلى رأسهم عبدالخالق ثابت حسن للمواطنين نصيبًا من مياه سدوده، فكان عطاؤه يتجاوز حياته، وأصبح أثره حاضرًا في زمن الحاجة.

رحم الله ثابت حسن رحمة واسعة، وجزاه عن كل قطرة ماء انتفع بها إنسان، وكل دابة شربت، وكل أسرة وجدت في مياهه فرجًا وقت الشدة.

إن وادي معربان اليوم بحاجة إلى مزيد من هذه الأعمال؛ بحاجة إلى من يحفظ الماء، ومن يبني، ومن يصلح، ومن يتعاون، ومن يفكر في الغد.

 

نسأل الله أن يسقي وادي معربان غيثًا نافعًا، وأن يحيي به الأرض والإنسان، وأن يفرّج عن الأهالي معاناتهم، وأن يرحم كل من ساهم في خدمة الناس، وفي مقدمتهم المرحوم ثابت حسن، وأن يجعل ما قدمه من سدود ومياه وعطاء في ميزان حسناته.

اللهم اسقِ عبادك وبلادك، وانشر رحمتك، وأحيِ به البلاد، وارزق وادي معربان وأهله غيثًا مباركًا نافعًا غير ضار.

جميع الحقوق محفوظة لموقع الحقيقة نيوز © 2024