صراع الكراسي فوق جراح الفقيد.. مديرية رضوم بين أخلاقيات العزاء وميزان الكفاءة

خاص / شبوة

​رحيل بحجم مديرية.. هادي الخرماء والفراغ الكبير
​فجعت مديرية رضوم، بل ومحافظة شبوة بأسرها، قبل يومين فقط، برحيل هامة إدارية واجتماعية فذة، تمثلت في الفقيد الراحل الأستاذ هادي سعيد الخرماء، المدير العام للمديرية، الذي وافته المنية بعد مسيرة حافلة بالعطاء والعمل الدؤوب لخدمة أهله ومجتمعه. لقد كان الراحل مظلة تلتقي تحتها القلوب، ورجلاً أفنى وقته في متابعة مشاريع المديرية وهموم مواطنيها، مخلّفاً وراءه فراغاً كبيراً في القلوب قبل المكاتب، وحزناً عميقاً ما زال يخيم على كل بيت في رضوم.
​لكن، العجيب في الأمر والصادم للمشاعر الإنسانية، هو ما نشهده في هذه الأيام القليلة والحرجة. فبينما ما زال مخيم العزاء قائماً، والدموع لم تجف بعد في مآقي أبناء وإخوان ومحبي الفقيد، برزت تصرفات تفتقر إلى أدنى مستويات اللياقة والاحترام. لقد سارعت بعض الشخصيات وبصورة مخجلة، ومع كل الاحترام لشخوصهم، إلى ترشيح أنفسهم والتسابق على كرسي المدير العام، والبحث عن التعيينات والخلافة، والفقيد لم يُوارَ في قبره إلا منذ ساعات! إن هذا التهافت السريع والمبتذل يضع علامات استفهام كبرى حول غياب قيم الوفاء، فأين احترام مشاعر أهل الفقيد؟ وأين التقدير لحرمة الموت وحزن المحبين الذين ما زالوا يستقبلون التعازي؟
​إن المنصب ليس غنيمة تُغتنم في لحظات الغفلة، ولا هو سباق ماراثوني ينطلق فور شغور الكرسي. هذا الاندفاع العشوائي من بعض الشخصيات لا يسيء فقط لأهل الفقيد، بل يسيء لأصحاب هذه التحركات أنفسهم، ويظهرهم بمظهر الباحثين عن الوجاهة والمكاسب الشخصية على حساب المبادئ القبلية والاجتماعية والإنسانية التي عرفت بها مديريتنا. إن القيادة ليست مجرد لقب يُلاحق، بل هي مسؤولية جسيمة وأمانة أمام الله وأمام العباد، وكان الأجدر بهؤلاء التريث ومواساة أهل المصاب بدلاً من فتح ملفات الترشيح والوساطات في مجالس العزاء.
​دعونا نتساءل بوضوح: هل تُنال المناصب الإدارية بهذه الطريقة الفوضوية؟ بالتأكيد لا. إن إدارة مديرية بحجم وأهمية رضوم، بموقعها الجغرافي وثقلها الاقتصادي والاجتماعي، لا تأتي بـ “الذكاء” الفردي أو بالقفز فوق المراحل والمبادئ، بل تأتي عبر معايير دقيقة وصارمة. المنصب لمن لديه الكفاءة والقدرة على الإدارة، ولمن يمتلك السيرة النظيفة والقدرة على قيادة السفينة في هذه الظروف الصعبة. إن تكليف شخصية جديدة لابد أن يمر عبر قنوات رسمية وعبر دراسة متأنية تراعي مصلحة المديرية أولاً وأخيراً.
​إن طريق التنصيب واضح وليس كما يظنه البعض عبر فرض الأمر الواقع أو الاستعراض في وسائل التواصل واللقاءات الجانبية. إن اختيار خلف للفقيد هادي الخرماء يتطلب إجماعاً وتوافقاً من جميع الجهات المختصة والمعنية في قيادة المحافظة والسلطة المحلية، بالتنسيق مع الوجهاء والشخصيات الاعتبارية في المديرية. هذا الإجماع هو الضامن الوحيد للاستقرار واستمرار عجلة التنمية التي بدأها الراحل، بعيداً عن المحاصصة أو فرض شخصيات لا تمتلك الكفاءة الإدارية والقبول الشعبي.
​ختاماً، نوجهها رسالة عتاب صادقة ونابعة من الغيرة على قيمنا وأعرافنا إلى كل من استعجل الخطى نحو كرسي السلطة: احترموا مشاعر أهل الفقيد ومحبيه، اتركوا الحزن يأخذ مجراه، وامنحوا أنفسكم والمديرية فرصة لالتقاط الأنفاس ووداع رجل قدم الكثير لرضوم. المناصب لن تطير، والفرص ستأتي في وقتها المناسب، والجهات المختصة تدرك تماماً من هو الأكفأ والأجدر بتحمل هذه المسؤولية الإدارية والوطنية. فلنترحم جميعاً على فقيدنا الأستاذ هادي الخرماء، ولنجعل من هذا المصاب دافعاً لتوحيد الصفوف، لا لتمزيقها من أجل أطماع زائلة

جميع الحقوق محفوظة لموقع الحقيقة نيوز © 2024