منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي يناقش مفاهيم حقوق الإنسان وحق تقرير المصير في ندوة فكرية وقانونية موسعة ..

عدن /  فلاح المانعي :
قراءات قانونية وتاريخية تكشف جذور أزمة الوحدة اليمنية وقضية الجنوب
السفير قاسم عسكر: ثقافة حقوق الإنسان تمثل قاعدة لأي سلام عادل
المنتدى يعمل على ترسيخ الوعي الحقوقي بين مختلف فئات المجتمع
الدكتور عبده يحيى: حقوق الإنسان ثمرة نضال تاريخي وليست منحة من أحد
الفجوة بين النصوص والتطبيق هي الأزمة الحقيقية لحقوق الإنسان
الأستاذ الأزرقي: حق تقرير المصير مكفول في المواثيق والتشريعات الدولية
فرض الوحدة بالقوة العسكرية يتعارض مع قواعد القانون الدولي
مشاركون في الندوة: قضية الجنوب تمثل نموذجاً لفجوة العدالة الدولية
أكاديميون: حقوق الشعوب لا يمكن تجاوزها تحت أي مبررات سياسية
نظّم منتدى الجنوب لتنمية الوعي السياسي والاجتماعي، عصر الخميس 14 مايو 2026م، ندوة فكرية وحقوقية بعنوان: «مفاهيم حقوق الإنسان وحق تقرير المصير.. قضية شعب الجنوب العربي نموذجاً»، بمشاركة نخبة من الأكاديميين والباحثين والمختصين في الشأن الحقوقي والقانوني، إلى جانب عدد من الشخصيات السياسية والوطنية والاجتماعية والدبلوماسية.
وافتتح الندوة سعادة السفير قاسم عسكر جبران، رئيس المنتدى، بكلمة رحّب فيها بالحضور، مثمناً الجهود العلمية التي قدمها كل من الدكتور عبده يحيى صالح، والأستاذ محمود خالد الأزرقي، والدكتور حافظ أمين نعمان الصبيحي. وأكد أن المنتدى، منذ تأسيسه، يضع نشر الوعي الحقوقي وترسيخ مبادئ حقوق الإنسان في صدارة أهدافه، انطلاقاً من الإيمان بأهمية المواثيق والمعاهدات الدولية في بناء السلام وتعزيز التعايش السلمي بين الشعوب، باعتبار ذلك أساساً لأي تسوية سياسية عادلة لقضية شعب الجنوب العربي وغيرها من القضايا المشابهة.
وفي المداخلة الأولى، استعرض الدكتور عبده يحيى صالح مفاهيم حقوق الإنسان وحقوق الشعوب والجماعات، متناولاً التطور التاريخي للفكر الحقوقي منذ شريعة حمورابي بوصفها أول تدوين قانوني وضعي، مروراً بالديانات السماوية التي كرّست كرامة الإنسان كقيمة عليا، وصولاً إلى المواثيق الدستورية الكبرى مثل العهد الأعظم، وإعلان الاستقلال الأمريكي، والإعلان الفرنسي لحقوق الإنسان.
وأوضح أن هذا التطور التاريخي يؤكد أن الحقوق الإنسانية لم تكن منحة من الحكام، بل ثمرة نضال طويل ضد الظلم والاستبداد، وأن كل مرحلة تاريخية أضافت مكاسب جديدة للبشرية، بدءاً بحرية المعتقد والمساواة أمام القانون، وانتهاءً بحق مقاومة الاضطهاد.
وأشار الدكتور صالح إلى أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الصادر عام 1948م شكّل محطة مفصلية في مسار تطور حقوق الإنسان، باعتباره تتويجاً لتجارب إنسانية مؤلمة أعقبت حربين عالميتين، وأسّس لمرجعية أخلاقية وقانونية دولية تُجرّم انتهاكات الكرامة الإنسانية، رغم ما تعانيه آليات التنفيذ من قصور وضعف.
كما تناول أبرز التحديات التي تواجه تطبيق حقوق الإنسان في العالم المعاصر، وفي مقدمتها ازدواجية المعايير الدولية، والتذرع بالأمن القومي ومكافحة الإرهاب لتقييد الحريات، إلى جانب التحديات المرتبطة بالثورة الرقمية والذكاء الاصطناعي وما تفرضه من إشكاليات تتعلق بالخصوصية والمراقبة الجماعية.
وأكد أن جوهر الأزمة لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في ضعف الإرادة السياسية لتطبيقها، مشيراً إلى أن شعوب الجنوب العالمي تتحمل العبء الأكبر نتيجة الفجوة بين المبادئ الحقوقية والممارسات الواقعية، وهو ما يجعل قضية الجنوب العربي نموذجاً حياً لهذا التناقض.
وفي الورقة الثانية، التي أعدها الأستاذ محمود خالد الأزرقي وقدمها نيابة عنه الدكتور عبده يحيى صالح، بعنوان:«حق تقرير المصير للشعوب في ضوء التشريعات الدولية.. العلاقة بين الوحدة والسيادة والإرادة الشعبية – قضية شعب الجنوب العربي نموذجاً»، تم تناول عدد من الإشكاليات القانونية والسياسية المرتبطة بحق تقرير المصير، وفي مقدمتها شرعية تأسيس الكيانات الوحدوية، وحدود سلطة الأغلبية العددية، وعلاقة القوة العسكرية بالإرادة الشعبية الحرة، ومكانة حق تقرير المصير في النظام الدولي المعاصر.
واستندت الورقة إلى مرجعيات قانونية دولية، أبرزها ميثاق الأمم المتحدة، والإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهدان الدوليان لعام 1966م، واتفاقيات جنيف الأربع، إضافة إلى قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة المتعلقة بحق الشعوب في تقرير مصيرها والمشاركة الحرة في الحياة السياسية.
كما رصدت الورقة خمس وقائع قانونية رئيسية في قضية الجنوب، تمثلت في وجود دولتين مستقلتين كاملتي السيادة قبل إعلان الوحدة، وطبيعة الوحدة التي تمت عام 1990م دون استفتاء شعبي، والاختلال الديموغرافي في بنية السلطة، وتحول الشراكة إلى هيمنة، ثم فرض مشروع الوحدة بالقوة العسكرية عقب حرب صيف 1994م.
وتطرقت الورقة إلى الإشكالات التي رافقت المرحلة الانتقالية للوحدة، ومنها: مدى قيام الوحدة على الرضا الحر، ومدى دستورية فرضها بالقوة دون استفتاء، وإشكالية هيمنة الأغلبية العددية، وتأثير الحرب على حق الشعوب في تقرير مصيرها.
واختُتمت الورقة بالتأكيد على أن المرجعيات القانونية الدولية لا تُجيز فرض الوحدة السياسية بالقوة العسكرية، وأن الشرعية الحقيقية لأي وحدة لا تكتمل إلا عبر الإرادة الشعبية الحرة والمتكافئة.
وشهدت الندوة نقاشات ومداخلات قانونية وفكرية واسعة، أجمع خلالها المشاركون على أن مشروع الوحدة اليمنية عانى اختلالاً بنيوياً منذ لحظة تأسيسه، وأن كثيراً من الإجراءات المرتبطة به خالفت مبادئ القانون الدولي وحقوق الإنسان، لا سيما في ما يتعلق بغياب الاستفتاء الشعبي، وتجاهل إرادة شعب الجنوب، وفرض الأمر الواقع بالقوة العسكرية بعد حرب 1994م.
وأكد الحاضرون أن المداخلتين تكاملتا بصورة واضحة؛ إذ قدمت الأولى الإطار التاريخي والفكري لحقوق الإنسان وتطورها، فيما قدّمت الثانية تطبيقاً قانونياً مباشراً على قضية الجنوب العربي، مستندة إلى وقائع ومرجعيات قانونية دولية ثابتة.
وخرجت الندوة بعدد من التوصيات، أبرزها توسيع نطاق الدراسات الحقوقية المتعلقة بالقضية الجنوبية لتشمل المراحل اللاحقة وما تعرض له شعب الجنوب من انتهاكات إنسانية خلال العقود الماضية، والعمل على إدراج تلك الانتهاكات ضمن الأطر القانونية الدولية ذات الصلة بالحقوق المكفولة للشعوب، مع التأكيد على أن دولة الجنوب كانت من الدول الموقعة على المواثيق الدولية لحقوق الإنسان منذ إعلان استقلالها في 30 نوفمبر 1967م.
أدار الندوة الأستاذ فضل عبدالله زين بن عاطف

جميع الحقوق محفوظة لموقع الحقيقة نيوز © 2024