( الحقيقة نيوز ) بقلم - فؤاد قائد جُباري
في الأدبيات السياسية الحديثة، لا يفهم الاغتيال السياسي على أنه مجرد تصفية جسدية لشخصية عامة، بل يشمل أيضًا ما يعرف بـ الاغتيال السياسي والمعنوي والمؤسسي؛ أي إقصاء الشخصيات المؤثرة من مواقع القرار عبر أدوات إدارية أو قانونية ظاهرها الشرعية وباطنها تصفية حسابات سياسية. وقد أصبحت هذه الظاهرة جزءًا من صراعات النخب داخل الدول التي تعاني من هشاشة مؤسساتها وتغول مراكز النفوذ فيها.
ففي مثل هذه البيئات السياسية، لا يكون معيار البقاء في المنصب هو الكفاءة أو النجاح، بل مدى انسجام المسؤول مع مصالح القوى المتحكمة بالقرار السيادي. وعندما يبرز مسؤول يمتلك رؤية مهنية وقدرة على الإنجاز، فإنه قد يتحول إلى مصدر قلق لتلك القوى، خصوصًا إذا كان نجاحه يعزز استقلالية المؤسسة التي يقودها أو يمنحها قدرًا أكبر من التنظيم والفاعلية.
ضمن هذا السياق يمكن قراءة ما حدث لمعالي الفريق الركن الدكتور محسن محمد حسين الداعري، الذي يعد - وفق كثير من التقييمات العسكرية- من أبرز الشخصيات التي تولت إدارة وزارة الدفاع في حكومة الشرعية خلال سنوات الحرب الأخيرة، والذي يعد تقريبًا أبرز شخصية عسكرية تحمل أعلى مؤهل أكاديمي تقلد هذا المنصب في البلد. فقد تميزت فترة توليه المنصب بمحاولات واضحة لإعادة ترتيب المؤسسة العسكرية، والعمل على تنظيم وتأهيل الوحدات العسكرية بفتح كليات ومعاهد، إضافة إلى متابعة الجبهات القتالية في ظروف شديدة التعقيد سياسيًا وعسكريًا.
لقد سعى الداعري، في فترة قيادته للوزارة، إلى الدفع باتجاه بناء جيش أكثر تنظيمًا وانضباطًا، وإعادة الاعتبار للعمل المؤسسي داخل وزارة الدفاع، وهو أمر لم يكن سهلًا في ظل الانقسامات الحادة التي تعيشها الساحة. وتشير شهادات كثير من القادة العسكريين والمراقبين إلى أن الوزارة شهدت في تلك الفترة جهودًا ملموسة في مجالات التدريب، وإعادة الهيكلة، وتحسين مستوى التنسيق بين التشكيلات العسكرية المختلفة.
غير أن هذا النجاح، وضعه في مرمى الاستهداف السياسي. فإقصاؤه لم يأت بمعزل عن تقاطع مصالح قوى عدة، في مقدمتها مراكز النفوذ الشمالية داخل السلطة بقيادة رشاد العليمي، والتي لا تزال تتعامل مع الكفاءات الجنوبية بعين الريبة منذ بداية إعلان الوحدة 1990م، وما تبعها سياسات تهميش وإقصاء واستبعاد واسعة للكوادر العسكرية الجنوبية، تمثلت بقرارات التقاعد القصري بل طال بعضهم عمليات الاغتيال.
كما يتقاطع هذا الاستهداف - بحسب كثير من التحليلات - مع حسابات إقليمية، خصوصًا دور المملكة العربية السعودية التي لا تبدو متحمسة لظهور جيش قوي ومنظم بقدر ما تفضل بقاء المشهد العسكري في إطار التشكيلات المتعددة والتوازنات الهشة ذات الطابع المليشاوي، حيث يسهل التحكم بها وإدارتها سياسيًا وعسكريًا.
ومن هذا المنظور، يرى كثيرون أن ما تعرض له الداعري يمكن توصيفه بأنه شكل من أشكال الاغتيال السياسي والمعنوي، حيث يتم إقصاء شخصية ناجحة من موقعها عبر قرار إداري أو سياسي يفتقر إلى مبررات مهنية واضحة. كما يذهب بعض القانونيين إلى أن قرار إقالة وإحالته للتقاعد القصري - إذا لم يستند إلى معايير قانونية واضحة- يثير تساؤلات حول مدى توافقه مع مبادئ الإدارة الرشيدة والعدالة الوظيفية.
لكن هذه القضية عمومًا لا يمكن فصلها عن سياق تاريخي أوسع يتعلق بمسار العلاقة بين القيادات الجنوبية ومراكز سلطة القوى الشمالية منذ إعلان الوحدة اليمنية 1990م. فمنذ تلك المرحلة، تعرض الجنوبيين لسلسلة من السياسات التي استهدفت إقصاء الكوادر العسكرية والإدارية الجنوبية من مواقع القرار، خصوصًا بعد حرب 1994م وما تبعها من عمليات تسريح وإحالة جماعية للتقاعد طالت آلاف الضباط والكوادر.
وقد تركت تلك السياسات أثرًا عميقًا في الوعي السياسي في الجنوب، والتي تبرهن أنها جزءًا من حرب سياسية طويلة ضد القيادات والكفاءات الجنوبية، هدفت إلى إضعاف حضورها في مؤسسات الدولة. وفي هذا الإطار يرى البعض أن ما حدث مع الداعري ليس حدثًا منفصلًا، بل حلقة جديدة في سياق تاريخي طويل من الحرب التي تقوده القوى الشمالية ضد الجنوب وأبنائه، والذي دفع بالجنوبيين إلى المطالبة باستعادة وإقامة دولتهم.
إن الدول التي تسعى لبناء مؤسسات قوية ومستقرة عادة ما تحرص على تكريم الكفاءات الناجحة والاستفادة من خبراتها، لا إقصاءها أو تهميشها. فالمؤسسات العسكرية على وجه الخصوص تحتاج إلى تراكم الخبرة القيادية، وإلى قيادات قادرة على العمل في الظروف المعقدة، وهي صفات نادرة في البيئات التي تشهد حروبًا وصراعات طويلة.