( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
في السنوات الأخيرة، شهد الفضاء الإلكتروني تحوّلًا لافتًا في طبيعة الخطاب الذي يقدّمه عدد كبير من الناشطين والناشطات على مواقع التواصل الاجتماعي. فبعد أن كانت هذه المنصات منابر للتعبير عن القضايا الوطنية والهموم العامة، باتت لدى البعض ساحة مفتوحة للبحث عن الإعجابات، وزيادة عدد المتابعين، وتحقيق العوائد المادية، حتى وإن كان الثمن هو تشويه القضايا أو تفريغها من مضمونها الحقيقي.
لم يعد الهدف عند كثيرين البحث عن وطن، ولا الدفاع عن قضية، بل أصبح التركيز منصبًا على صناعة الجدل، وافتعال التناقضات في الخطاب، وتغيير المواقف وفقًا لاتجاهات الترند ومتطلبات التفاعل.
هذا السلوك أفرغ العمل الوطني من قيمته، وحوّل القضايا المصيرية إلى محتوى استهلاكي قابل للتدوير، يُستخدم حينًا ويُهمل حينًا آخر. فالمواقف لم تعد تُبنى على قناعات، بل على حسابات رقمية، وأصبح الصوت الأعلى هو الأكثر انتشارًا، لا الأكثر صدقًا أو مسؤولية.
الأخطر من ذلك أن هذا النمط من الخطاب أسهم في تعميق الانقسامات المجتمعية، وزيادة حالة الاستقطاب، وتغذية الكراهية بين أبناء المجتمع الواحد، في وقت أحوج ما نكون فيه إلى خطاب وطني واعٍ يعزز التماسك، ويحترم عقول الناس، ويضع المصلحة العامة فوق أي مكاسب شخصية.
إن المسؤولية الأخلاقية والإعلامية تفرض على الناشطين الحقيقيين، والصحفيين، وأصحاب الرأي، أن يعيدوا الاعتبار للكلمة، وأن يميزوا بين حرية التعبير والمتاجرة بالقضايا، فالوطن ليس وسيلة للشهرة، والقضية ليست سلعة تُعرض في سوق التفاعل.
وفي ظل هذا الواقع، تبقى الحاجة ملحّة لوعي مجتمعي قادر على فرز الخطاب الصادق من الخطاب المزيّف، ودعم الأصوات التي تحمل همّ الوطن بصدق، لا تلك التي تبحث عن الأضواء ولو على حساب الحقيقة.