( الحقيقة نيوز ) بقلم - فضل القطيبي
في خضم التحولات الإقليمية والتحديات الأمنية المتسارعة، تبرز قضية الجنوب العربي كإحدى القضايا التي يكثر حولها الجدل، خصوصًا في علاقتها بالأمن القومي للمملكة العربية السعودية. غير أن القراءة الموضوعية والعميقة للواقع تؤكد حقيقة لا تقبل اللبس: الجنوب العربي ليس تهديدًا لأمن المملكة، بل يُعد أحد ركائزه الأساسية وعمقه الاستراتيجي الطبيعي.
إن جنوبًا مستقرًا، يستند إلى إرادة شعبية واضحة، وتمثيل سياسي فاعل، ومؤسسات قادرة على إدارة الأرض والإنسان، يشكّل عامل أمان إقليمي لا مصدر قلق. فالجغرافيا السياسية للجنوب، الممتدة على خطوط الملاحة الدولية وبالقرب من أهم الممرات البحرية، تجعل استقراره ضرورة مشتركة، لا مصلحة جنوبية فحسب، بل مصلحة سعودية وخليجية ودولية.
وعلى النقيض من بعض الطروحات التي تحاول تصوير تطلعات شعب الجنوب كعامل تهديد، فإن الخطر الحقيقي يكمن في تجاهل هذه التطلعات أو إدارتها بمنطق الإنكار والتهميش. فالتاريخ السياسي للمنطقة يثبت أن الفراغ السياسي، وغياب العدالة، وعدم تمكين الشعوب من حقوقها المشروعة، هي الأسباب الرئيسية لاندلاع الفوضى وفتح الأبواب أمام التدخلات المعادية والمشاريع التخريبية.
إن الجنوب العربي، حين يُمنح حقه في الشراكة العادلة والاحترام المتبادل، يتحول من ساحة صراع مستنزِف إلى خط دفاع متقدم عن أمن الجزيرة العربية. فالشعوب التي تشعر بكرامتها وحقوقها، تكون أكثر التزامًا بحماية محيطها، وأكثر استعدادًا للتصدي لأي تهديد يستهدف أمن المنطقة واستقرارها.
ومن هذا المنطلق، فإن بناء شراكة استراتيجية حقيقية بين المملكة العربية السعودية والجنوب العربي، تقوم على الوضوح والاحترام والمصالح المشتركة، كفيل بتحويل الجنوب إلى سور أمان إقليمي صلب، يحمي حدود المملكة، ويعزز استقرار المنطقة بأكملها، ويُفشل مخططات القوى المعادية التي تراهن على الفوضى والانقسام.
إن استقرار الجنوب ليس عبئًا على الأمن القومي السعودي، بل استثمار استراتيجي طويل الأمد، يعكس رؤية واقعية لمستقبل المنطقة، ويؤكد أن الأمن لا يُبنى بالقوة وحدها، بل بالشراكات العادلة واحترام إرادة الشعوب.